محمد أبو زهرة
614
زهرة التفاسير
من الخلاق ، وتقوى من الله ، فقد أديت على وجهها إذ خلصت النية ، واستقامت الإرادة ؛ وإن لم تؤد إلى تقوى الله والرحمة بعباده فقد خالطها رياء ولم تخلص النية ، وحق العقاب ؛ ولذا قال سبحانه : وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ ليلقى في نفوس الناس الرهبة من عقابه حال رجاء ثوابه ، والناس يصلحون بالثواب والعقاب ، حتى إذا علت المدارك وقويت الروح كان الثواب رضا الرحمن ؛ ولذا قال سبحانه بعد ثواب المؤمنين : وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ . . . ( 15 ) [ آل عمران ] . الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدالَ فِي الْحَجِّ قد بين في الآية السابقة بعض أحكام الحج ، وفي هذه الآية الكريمة يبين ميقاته ، وما ينبغي للمؤمن في وقت حجه . وقوله تعالى : الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ أي وقت الحج أشهر معلومات ، وإنما جعلت النسبة إلى الحج نفسه ، لا إلى وقته ، فكأن الإسناد إليه - للإشارة إلى أن هذه الأشهر لأنها ميقات تلك العبادة المقدسة ، تكتسب تقديسا منها ، وكأنها هي . والأشهر المعلومات اتفق على أن منها شوالا وذا القعدة والعشرة الأولى من ذي الحجة ؛ واختلف في العشرين الأخيرة أهي منها أم ليست منها ؛ وعلى أنها ليست منها الأكثرون والصحاح من الروايات . وإن هذه الأشهر سميت أشهر الحج ؛ لأن أركانه تستوفى فيها ، وتؤخذ الأهبة له فيها ، ويحرم به فيها ؛ ولكن قال أبو حنيفة ومالك والشافعي : يصح الإحرام بالحج قبلها ؛ وذلك رأى جمع من التابعين ؛ ورأى الشافعي تابعا لبعض الصحابة والتابعين أن الإحرام بالحج لا يكون إلا في أشهره ، كما أن نية الصيام لا تكون إلا في رمضان ، وكما أن نية الصلاة لا تكون إلا وقت أدائها ؛ وإن ذلك هو ما يشير إليه قوله تعالى فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ إذ جعلهن وعاء الفرض وظرفه . ومعنى فرض الحج فيهن الإحرام به ؛ فإذا أحرم بالحج نزه نفسه ولسانه عن كل قول يؤدى إلى نزاع ؛ ولذا قال سبحانه : فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدالَ . وقد فسر بعض العلماء الرفث بما يكون بين الرجل والمرأة ؛ والفسوق بالخروج عن